عبد الملك الجويني
350
الشامل في أصول الدين
الجوهر ، فهو قلب للحقائق ، وتمسك بما يناقضها . فإن الذات الثابتة ، الموصوفة بالأحوال ، المنعوتة بالوجود ، [ أولى ] بالعد من الأحوال التي لا تتصف على حيالها بالوجود . فقد وضح بطلان مذاهبهم ؛ واضطراب مطالبهم من كل وجه ، واستبان أنه لا مستروح لهم في مذاهب مثبتي الأحوال . ومما ينبغي أن لا يغفل المحصل عنه في مجاري كلامه ، أن يقول : ما يحصل من مذهبكم ، أن الأقنوم لا يتصف بالوجود ، ثم وصفتموه بكونه علما ، حياة ، وهذا خروج عن قضية التحقيق . فإن ما ثبت له وصف عام ، ووصف خاص ، فمن المستحيل ثبوت الوصف الخاص مع انتفاء العام . وإيضاح ذلك أن كل حادث لما اتصف بالوجود والحدوث ، وكان الحدوث أخص من الوجود ، فاستحال ثبوت الحدوث دون الوجود ، وإن لم يستحل على الجملة ثبوت الوجود دون الحدوث . وكذلك السواد اتصف بكونه سوادا وكونه لونا ، وكونه عرضا . ثم كونه سوادا أخص من كونه لونا ، وكونه لونا أخص من كونه عرضا . فاستحال سواد ليس بلون ، وإن لم يستحل لون ليس بسواد . واستحال لون ليس بعرض ، وإن لم يستحل عرض ليس بلون . وسنستقصي ذلك في الصفات إن شاء اللّه تعالى . فإذا ثبت ذلك قلنا : كل علم متصف بالوجود ، وكونه علما أخص من وجوده ، فإذا جاز وصف الأقنوم بأخص الوصفين ، وجب وصفه بأعمهما . فهذا وجه الكلام على هؤلاء . فأما الذين قالوا : إن الجوهر غير الأقانيم ، فهؤلاء أقرب إلى إبطال التثليث من الأولين . فإنهم إذا أثبتوا الأقانيم ، وصرحوا بعددها ، ثم أثبتوا الجوهر مغايرا لها ، فقد زادوا على الثلاثة وأفصحوا بذلك . إذ من ضرورة كل مغاير لمتعدد أن يجوز عدّه مع المتعدد . فإذا لزم اليعقوبية والنسطورية ، إبطال التثليث ، فلزوم ذلك بالملكية أولى . فإن قالوا الجوهر ، وإن غاير الأقانيم الثلاثة ، فهو مع الأقانيم ثلاثة . قلنا : هذا الآن جحد الضرورة ، وتلاعب بقضية العقل ، فإنكم صرحتم بالمغايرة أولا ، ثم زعمتم أن الذي هو غير الأقانيم عين الأقانيم ، وهذا غاية الجهل . ثم إن لم يبعد ذلك فيما ألزمتم ، لم يبعد أن يقال : الابن وإن غاير الأب فهو هو ، والكلمة وإن غايرت الروح والوجود ، فتعد معهما أقنومين . فليس عدّ الكلمة مع الروح والوجود أقنومين بأبعد من عد الجوهر المغاير للأقانيم الثلاثة معها ثلاثة . وإن تعسف من لا يحصل مذهبهم لا يتحاشى من إثبات أربعة ، ولكن إلهه ثلاثة . فهذا خروج عن مذاهب النصارى ، وإبداع قولة لم يصر إليها أحد منهم ، فإنهم مطبقون على التثليث من كل وجه .